نَحنُ إخوَةٌ وأَعْرَافٌ وقِيَمٌ، وَنَحنُ بهَدي مُحمَّدٍ نَلتَزِمُ
وَقُلْ سَلامًا لِصَاحِبِ الحِلمِ، فَمَن بَرْدِ السَّلامِ قَلبُهُ حَمَمٌ
صَاحِبُ العَقلِ صَدِيقًا نُقَرِّبُهُ، مِنَّا العَشَمُ وفي أَهْلِنَا العَشَمُ

شعر ،،، كتب
نَحنُ إخوَةٌ وأَعْرَافٌ وقِيَمٌ، وَنَحنُ بهَدي مُحمَّدٍ نَلتَزِمُ
وَقُلْ سَلامًا لِصَاحِبِ الحِلمِ، فَمَن بَرْدِ السَّلامِ قَلبُهُ حَمَمٌ
صَاحِبُ العَقلِ صَدِيقًا نُقَرِّبُهُ، مِنَّا العَشَمُ وفي أَهْلِنَا العَشَمُ

عندما ندرك أن كل ما نملكه في حياتنا ليس ملكًا حقيقيًا لنا إلا ما استنفذناه بالفعل، نبدأ في رؤية الأمور بمنظور مختلف. ما تبقى من الأموال في حساباتنا البنكية ليس إلا أرقامًا مؤقتة سيتم تقسيمها على الورثة بمجرد مغادرتنا هذا العالم. وكذلك هو الوقت، الذي نظن أحيانًا أننا نملكه، ولكن في الحقيقة هو الذي يملكنا. كل ثانية تمر من حياتنا هي فرصة لا يمكننا استردادها، ولهذا علينا أن نوليها اهتمامًا كبيرًا ونستثمرها بحكمة.
من يعتقد أنه يملك الوقت بشكل كامل يحتاج إلى مراجعة هذا المفهوم. نحن لا نملك الوقت، بل هو الذي يتحكم بنا. كل لحظة تمر دون استغلال هي خسارة حقيقية. إن الولاء للوقت يعني احترام كل ثانية، واستخدامها في تحقيق أهدافنا، فالوقت مورد ثمين لا يتجدد. كما أننا ندين لوالدينا بواجب البر والتقدير، فإننا ندين للوقت بالولاء، لأنه أساس حياتنا.
تمامًا كما أن للوالدين حقوقًا علينا، فإن للوقت حق علينا أيضًا. الوقت يمنحنا الفرصة لبناء عقولنا وتطوير مهاراتنا، ولكنه أيضًا يتطلب منا الالتزام. إذا كان العقل هو المحرك لكل ما نقوم به، فإن الوقت هو الوقود الذي يمد هذا العقل بالطاقة. العقل بحاجة للتنمية المستمرة، والوقت هو المورد الذي يتيح لنا هذه التنمية. ومع ذلك، هناك تناقض، حيث نجد أن العقل في كثير من الأحيان لا يتعامل مع الوقت كما ينبغي.
العقل الواعي هو الذي يدير تصرفاتنا اليومية، بينما العقل الباطن هو الذي يوجهنا دون أن نشعر. في الصلاة مثلاً، يمكن أن ننهي الصلاة دون أن نخطئ في ترتيب الأركان، لكن قد نجد أنفسنا نفكر في أمور دنيوية أثناءها. هذه ليست مشكلة في الأفعال، بل في الخشوع، وهو أحد أهم الجوانب التي يجب مراعاتها. الخشوع يتطلب توازنًا بين العقل الواعي والعقل الباطن، وهو شيء نحتاج إلى العمل عليه باستمرار.
أحد أسباب شعور العقل بالملل هو التركيز على مهارة واحدة أو مجال واحد لفترات طويلة. التنوع ضروري لإبقاء العقل نشطًا. كما أن الجسم يحتاج إلى تنوع في الغذاء ليبقى صحيًا، كذلك العقل يحتاج إلى تنوع في المهارات والمعرفة. التركيز على مجال واحد قد يجعلنا نتقن هذا المجال، لكن يحد من قدراتنا في استكشاف مجالات أخرى. لهذا السبب، تنوع المهارات والمعرفة يسهم في نمو العقل ويمنحه طاقة جديدة.
الملل، أو ما نسميه “الطفش”، هو إحساس ناتج عن عدم استغلال الوقت بشكل مثالي. في الحقيقة، لا يوجد فراغ حقيقي في حياتنا إلا إذا اخترنا أن نصنعه. الوقت الذي نقضيه في التسلية أو الراحة يمكن أن يتحول إلى وقت مفيد إذا استخدمناه بذكاء. يمكننا، على سبيل المثال، الاستفادة من أوقات الانتظار أو الفراغ بممارسة التأمل، القراءة، أو حتى الاستماع إلى محتوى مفيد. فبدلاً من السماح للملل بالسيطرة علينا، علينا أن نستغل هذه اللحظات في تحسين أنفسنا.
قد نميل إلى التركيز على ما نحبه وما نرغب فيه، ولكن تنمية العقل تتطلب تجاوز هذه الميول. الحياة ليست مقتصرة على رغباتنا الشخصية فقط. علينا أن نفتح أفقنا للتعلم في مجالات متعددة، حتى تلك التي قد لا نشعر بالراحة معها في البداية. هذا التوسع في المعرفة يساعد في بناء عقل أكثر توازنًا ومرونة.
من أهم جوانب تنمية العقل هو الحفاظ على المكتسبات التي نحققها. عندما نبدأ في تعلم شيء جديد أو نكتسب مهارة، من المهم أن نستمر في ممارستها ومراجعتها بانتظام. هذا لا ينطبق فقط على المعرفة الأكاديمية، بل أيضًا على الأمور الروحية مثل حفظ القرآن الكريم. على سبيل المثال، حفظ جزء من القرآن هو مكتسب يحتاج إلى مراجعة مستمرة حتى لا يُنسى. التوقف عن المراجعة قد يؤدي إلى فقدان هذا المكتسب، ولكن الاستمرار في المراجعة يساعد في تثبيته وتقويته.
تنمية العقل تشبه إلى حد كبير بناء العضلات. عندما نرغب في تقوية عضلاتنا، نحتاج إلى تمارين مستمرة ومتنوعة، وكذلك العقل يحتاج إلى تمارين فكرية مستمرة. كما أننا لا يمكننا بناء العضلات برفع الأثقال الثقيلة مباشرة، بل نحتاج إلى التدرج، نفس الأمر ينطبق على العقل. لا يمكننا أن ننتقل إلى مستويات عالية من الفهم والمعرفة دون المرور بتمارين فكرية مستمرة ومنهجية.
نعيش في زمن تتسارع فيه التغيرات التقنية والاجتماعية، ومن الضروري مواكبة هذه التغيرات للحفاظ على قدرة عقولنا على التكيف. عدم تحديث معرفتنا بشكل دوري يمكن أن يؤدي إلى تصادم بين الأجيال، حيث نجد أن الجيل الجديد يمتلك معارف وأدوات حديثة قد لا نفهمها أو نتقبلها. التحديث المستمر للعقل والمعرفة يتيح لنا البقاء في تناغم مع العالم من حولنا ويمنع التصادم الثقافي والفكري.
مثلما يوجد في سوق الأسهم نقاط دعم ومقاومة، كذلك في حياتنا العقلية والذهنية. نقاط الدعم هي تلك المراحل التي نحتاج فيها إلى تعزيز أنفسنا وإعادة تنظيم جهدنا، بينما نقاط المقاومة هي تلك اللحظات التي نواجه فيها صعوبة في التقدم. علينا أن نكون واعين لهذه النقاط ونعمل على تخطيها عبر وضع خطط وتحفيزات تساعدنا على المضي قدمًا.
في النهاية، يقول الله تعالى في سورة العصر:
“وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ”
الوقت والعقل هما أعظم هدية منحنا الله إياها. إذا أحسنَّا استغلالهما، نضمن لأنفسنا طريقًا نحو النجاح والطمأنينة. علينا أن نبقى متيقظين لأهمية كل لحظة تمر علينا، وأن نسعى دائمًا لتنمية عقولنا وتطوير مهاراتنا بما يعود علينا بالنفع في الدنيا والآخرة.
سلمان المالكي